جمانة إميل عبّود: حكاية المدّ المطيع

يمثّل معرض “حكاية المدّ المطيع” أوّل معرض فردي للفنّانة جمانة إميل عبّود دولة في الإمارات العربية المتحدة. تتّسم ممارستها الفنّية القائمة على التفاعل العميق مع فنّ السرد القصصي، والحكايات الشعبية، والطقوس، فتنصهر أعمالها مع الأرض ومواردها المائية التي تغذّيها، مثل الينابيع والآبار والأنهار، وتستقي إلهامها من إرث الحكايات الشعبية الفلسطينية، لترصد استمرار ترنيمها في وقتنا الراهن. تولي عبّود اهتماماً للطريقة التي تسكن بها القصص ثنايا المناظر الطبيعية، وصياغتها للتواريخ الشخصية والذاكرة الجماعية، وإبداعها علاقة ساحرة بالأرض.

يستند المعرض إلى ركيزتين أساسيتين. تتمثّل الأولى في خمس فضائل وضعها الفيلسوف ابن ظفر في القرن الثاني عشر ضمن كتابه الموجز حول الحكايات الأخلاقية “سُلوان أو سُلوان العذارى”، الذي ألّفه كدليل أخلاقي لحكّام البلاد في عصره. تصف الفنّانة هذه الفضائل الخمس (الثقة، الصمود، الصبر، الرضا، الزهد) بأنّها “أعمال جليلة”، وتتجلّى هذه الفضائل في أعمالها كممارسة صامتة للخدمة والطاعة.

ترصد الركيزة الثانية انخراط عبّود في حكاية شعبية تتعلّق بصيّادي السمك، والتي تتشارك صفات مذهلة بين الفلكلورين الفلسطيني والياباني. ففي القصّة الفلسطينية، ينجو صيّاد من طغيان ملك مستبدّ بفضل معرفة زوجته التي تنتمي إلى عالم الجنّ. أمّا في القصّة اليابانية، تقود ثقة صيّاد بانعكاس صخرة تعيده إلى منزله بعدما ضلّ طريقه في عرض البحر. تكشف هاتان القصّتان المترابطتان عبر الثقافات والبحار، عن أفعال الصمود المشتركة المرتكزة على التكافل والذكريات.

في عمل سُلوان، يُحكى أنّ صدفة بحر تدعى “سُلوانة” كانت تحمل فضائل قادرة على مداواة الأحزان. تستحضر عبّود هذه الصدفة بوصفها إناءً استذكارياً يحمل في جوفه مساحة للترميم والتحوّل، وتطرح سؤالها: كيف نثابر ونثبت وجودنا ونتخيّل مستقبلاً ذا سحر متجدّد من جهة، وبعودة الفلكلور إلى الحياة، والانتماء المجتمعي من جهة أخرى؟ وبالتوقّف عند إرث الحكايات الشعبية الفلسطينية، تقتفي عبّود أصداء هذه القصص في واقعنا.

تبدو الأعمال الفنّية التي يضمّها معرض “حكاية المدّ المطيع” بمثابة آثار وشظايا خلّفها مدّ البحر وجزره، تنجرف عبر الزمان والمكان، والحقيقة والأسطورة، وترتكز في سياق النضال الفلسطيني من أجل التحرير والعودة، لتقدّم صورة آسرة عن الصمود. وفي انعكاس لعنوان المعرض، فإنّ خضوع المدّ والجزْر لجاذبية القمر، وأسلوب السرد البطيء للراوية، يدفعان إلى التساؤل الجوهري للمعرض: كيف نحمل النور عبر البحار، عبر الأطلال، عبر الصمت، دون أن ندعه يخبو وينطفئ؟

تنسيق المعرض: إندرانجان بانيرجي

انـظر جميع الفعاليات

شارك