في ثلاثية دريانت زينيلي: “الحيوانات.. كان يا ما كان.. في زمننا الحاضر” (2019 – 2022)، تنبعث المباني والحكايات من جديد في واقعنا الراهن، في تداخلٍ يجمع بين الفنّ المعماري والأساطير. وتدور أحداث الأفلام الثلاثة في ثلاثة مبانٍ أيقونية تنتمي لأسلوب “العمارة الوحشية (الخام)” في منطقة البلقان: المكتبة الوطنية في كوسوفو بمدينة بريشتينا، وهرم تيرانا في ألبانيا، ومبنى البريد المركزي في سكوبيه بمقدونيا الشمالية.
تعكس هذه الأعمال حالة الاضطراب المزمن الذي تعيشه منطقة البلقان، والطبيعة العابرة لعماراتها، وهشاشة طوباويتها. فهذه الصروح “الوحشية”، التي جسّدت يوماً طموح الاشتراكية في صياغة مجتمعات جديدة تحت حكم شمولي، تغدو اليوم معابرَ تصل بين عالم الأساطير والحكايا الشعبية ببطولاتها الحيوانية وواقعنا الإنساني، حيث تبدو البيئة العمرانية ثابتة في ظاهرها، لكنّها في واقع الأمر تتبدّل باستمرار مع مرور الزمن وبفعل طبيعة أجساد قاطنيها.
لا تَنفَذ سمكة حكيمة بجلدها إلّا إذا حلّقت
2019
فيديو عالي الدقّة، ملوّن مع صوت
7 دقائق و10 ثوانٍ
بإذن من الفنّان
يروي الفيلم قصّة سمكة تفرّ من قرش مفترس، لتقع أسيرة في شباك الصيد داخل أروقة المكتبة الوطنية في كوسوفو. بالتعاون مع فريق شاب من مركز “بونيفيت”، وهو مؤسّسة غير ربحية في بريشتينا تتّخذ من التكنولوجيا وسيلة لتعلّم العلوم وفهم الحياة وإطلاق العنان للخيال، يطلب زينيلي من الأطفال مساعدة السمكة في تحريرها من شِراكها والنجاة من القرش. يقف الفيلم شاهداً على هذا التكوين الإبداعي، حيث تتحوّل الجدران “الوحشية” للمكتبة إلى مشهد طبيعي واسع، وتتحوّل السمكة إلى طائر وهي تحلّق نحو حرّيتها.
تقع المكتبة الوطنية في كوسوفو في قلب الحرم الجامعي بمدينة بريشتينا، وهي أيقونة معمارية صمّمها المعماري أندريا موتنياكوفيتش واكتمل بناؤها في العام 1981. شهدت المكتبة تحوّلات عديدة منذ سبعينات القرن الماضي، ابتداءً من تبدّل أسمائها واستغلالها كمدرسة دينية أرثوذكسية صربية، ووصولاً إلى تحويلها لثكنة عسكرية للجيش اليوغوسلافي خلال غارات حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وهي الفترة التي شهدت سرقة أو تدمير أكثر من 100 ألف كتاب. واليوم، تواصل المكتبة رسالتها المعرفية مشرّعة أبوابها للزوّار، مع الحفاظ على معظم مقتنياتها التي تبلغ 600 ألف مجلّد.
إلى أيّ عمقٍ يمكن لليعسوب أن يغوص في أعماق المحيط؟
2021
فيلم بدقّة 4K، ملوّن مع صوت
11 دقيقة و23 ثانية
الفيلم باللغة الألبانية مع ترجمة إلى الإنكليزية
بإذن من الفنّان
يرصد الفيلم الثاني قصّة يعسوب يخفق بجناحيه عبثاً لأنّ قَدَره محتومٌ بألّا يطير أبداً، فيجعله عاجزاً عن عبور المحيط. يتحرّك اليعسوب داخل أروقة هرم تيرانا، وهو نَصْب تذكاري شُيّد في أواخر الثمانينات في القرن الماضي تخليداً للديكتاتور الألباني أنور خوجة. بُني هذا الصرح عام 1988 كرمزٍ لنظامه، وشهد تحوّلات عديدة منذ سقوط الشيوعية، إذ استُخدم في مراحل مختلفة كمتحف، وملهى ليلي، وحانة، ومركز ثقافي، عاكساً بذلك التغييرات السياسية والاجتماعية المضطربة في ألبانيا. وفي قلب هذا الهيكل “الوحشي”، يقتات اليعسوب على بقايا أخطبوط متحجّر ليبقى على قيد الحياة، إلّا أنّ هذا القوت يجعله أسيراً في قبضته، غير قادر على التحليق خارج حدود الهرم.
يجسّد اليعسوب رمزاً للعمق الروحي، والقوّة، والتحوّل، والقدرة على التكيّف، معيداً إلى الأذهان تجربة ريلوند ريستو، الذي قضى حكماً جائراً بالسجن لمدّة 21 عاماً في المعتقلات الألبانية. وخلال السنوات الأخيرة من عزله، تمكّن ريستو من ابتكار حشرات آلية قادرة على الطيران، صنعها من مواد أوّلية بسيطة.
اليراعة تواصل السقوط والثعبان يواصل النموّ
2022
فيلم بدقّة 4K، ملوّن مع صوت
11 دقيقة و46 ثانية
الفيلم باللغة المقدونية مع ترجمة إلى الإنكليزية
بإذن من الفنّان ومؤسّسة “إن بتوين آرت فيلم”
يستمدّ الفيلم رؤيته من أسطورة قديمة تعود للعصور الوسطى، تدور حول ثعبان يحاول التهام يراعة لمجرّد أنّها تسطع بضوء باهر. يضع الفنّان هذه الأسطورة حول “الجمال المستهدف” في مواجهة الانكسار الرمزي والإهمال المادي الذي يعاني منه مبنى البريد المركزي في سكوبيه، أحد أكثر صروح “العمارة الوحشية” رمزية في منطقة البلقان. شُيّد المبنى عام 1974 ضمن مخطّط إعادة إعمار سكوبيه عقب الزلزال المدمّر الذي تعرّضت له المدينة في العام 1963، وقام بتصميمه المعماري المقدوني يانكو كونستانتينوف برؤية استلهمت أشكالاً عضوية، توحي بكائنات فضائية أو مشهد كوني حيوي. واليوم، وبعد تعرضه لحريق هائل في العام 2013، يقف المبنى مهجوراً وشبه مدمّر، ومُدرجاً ضمن أكثر سبعة مواقع تراثية مهدّدة بالاندثار في أوروبّا.
جاء هذا العمل ثمرة تعاون إبداعي مع طلبة جامعة “القدّيسَين سيريل وميثوديوس” في سكوبيه بمقدونيا الشمالية. فعلى مدار عام كامل، عكف الفنّان والطلبة على البناء الآلي لبطلَي الفيلم: اليراعة والثعبان، ليمنحوا الحكاية الأصلية خاتمة مغايرة: فبالرغم من ابتلاع الثعبان اليراعة، إلّا أنّها تُحرقه من داخل جوفه.
تُقدّم هذه الأفلام لدريانت زينيلي كجزء من برنامج “كيف تعاود الظهور”، وهو سلسلة أفلام تمتدّ على مدار العام. يتولّى تنسيق البرنامج: إندرانجان بانيرجي.
يُقدّم برنامج “كيف تعاود الظهور” سلسلة أفلام تستكشف معاني التجدّد والبقاء والمثابرة في صور متغيّرة. تأخذ هذه الأفلام المشاهدين في رحلات عميقة حول لحظات الانتقال والتحوّل، مع التركيز على حدّة هذه العمليات وعذوبتها، وما يرافقها من لحظات الصدمة والارتباك. في هذه القصص، تصبح الأجساد والأراضي والتضاريس مساحات يتجلّى فيها التحوّل، وتسلّط الضوء على هشاشة الأجساد والمناظر الطبيعية، في الوقت الذي تُشكِّل فيه الأساطير والأوهام والعوالم الافتراضية تصوّراتنا عن التغيير وكيفية تحمّله والتعايش معه.
دريانت زينيلي (مواليد 1983، شكودر، ألبانيا) هو فنّان يقيم ويتنقّل في إبداعه بين مدينتَي تيرانا وتورينو. مثّل الجناح الألباني مرّتين في المعرض الدولي ببينالي البندقية؛ الأولى في الدورة الثامنة والخمسين (2019) من خلال معرض فردي، والثانية في الدورة الرابعة والخمسين (2011) ضمن معرض جماعي.
انـظر جميع الفعاليات